المرأة البحرانية المُعاصرة حاضرة في كلّ مناحي الحياة في مملكة البحرين، وبروزها في الأدب البحراني ليس محلّ خفاء أو جدل. وقد تمثّل ذلك في فن الرواية إبداعاً وتمثيلاً. فالمرأة حاضرة على مستوى إبداع العمل الروائي، وحاضرة في السّرد وفي بناه الحكائية المختلفة.
وصورة المرأة في الرواية البحرانية تقع في دائرة الصورة الكلية المرسومة للمرأة في السرد العربي بصورة عامّة، وفي الصّورة الخاصّة للمرأة الخليجيّة والبحرانية على وجه الخصوص. إذن ثمة قضايا اشتراك وقضايا افتراق، ولكننا لضيق المقام آثرنا أنْ يكون مقالنا هذا مُنصبّاً على صورة المرأة البحرانية كما تبدو من خلال السّرد الروائي البحراني بغضِّ النظر عمّا إذا كان المبدع رجلاً أو امرأة؛ فالصورة لا تكاد تتأثّر بعامل الجنس (الجندر) إلا يسيراً. وهو –كما نرى– يقودنا إلى تأثيرات المؤلّف الضمني الّذي يتبدّى في صورة العقل الجمعي مرّة، والعادات مرة أخرى، والصورة النمطية المهيمنة مرّة أخرى. ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة دواعي هذه الصورة بقدر ما نحن بصدد رصد هذه الصورة التي تكوّنت في الثقافة العربية بوجه عام وفي الثقافة المحلّية بوجه خاصّ. ويمكن معالجة القضية من جهتين، أولاهما تتعلّق بعتبة العنوان والأخرى تتعلّق بالمتن الحكائي.
أولاً: تُحيل عنوانات الروايات المنتجة في الأدب البحراني المعاصر إلى بنية ثقافية مبنية على موقف غالباً ما يكون مسبقاً أو داخلاً في دائرة الموقف (سلباً أو إيجاباً) من المرأة، أو لنقل الصورة التي تقترب من النمطية أحياناً وتبتعد أحياناً أخرى. نُشير هنا من باب التمثيل إلى العنوانات الآتية ( رواية الحصار للروائية فوزية رشيد عام 1983م، تحولات الفارس الغريب في البلاد العاربة 1990 لفوزية رشيد أيضاً، وللروائية حصّة جمعة الكعبي رواية (شجن بنت القدر الحزين) عام 1992م، ليلى حسن الصقر رواية (بدرية تحت الشمس) عام 1997م، فتحية ناصر رواية (الحجابان) عام 2004م، والرجل السؤال 2009م، منيرة سوار رواية (نساء المتعة) عام 2008م، فريد رمضان التذنّور 2006، السوافح ماء النعيم 2006م، حسين المحروس، مريم: سيرة الخضاب والنسوة اللاتي ضاعت أسماؤهن 2013م، حسين عبد علي متاهة زهرة 2015م، شيماء الوطني، المطمورة 2018م، نادية الملاح، بلا وجه 2020م.
تشير جلّ تلك العنوانات في دلالتها الأولى إلى موقف نقدي يحمله المبدع تجاه مكانة المرأة في المجتمع البحراني والعربي بصورة عامّة؛ جلّ تلك العنوانات تفضي إلى معاناة المرأة البحرانية ونضالها لنيل حقوقها أو لتكسير القيود المصطنعة في المجتمع نتيجة هيمنة أعرافٍ ما، أو ثقافة تغلب عليها الحالة الذّكورية في صياغة اتجاهات المجتمع تجاه قضايا المرأة وشؤونها. ومن إيحاءات العناوين السّابقة فإنّ ثيمة الحصار والقدر والحجاب والمتاهة والطمر والتّنور وضياع الأسماء توحي بواقع (المرأة المقهورة) أو (المرأة المحجوبة) عن شمس الحرية التي حاولت ليلى الصقر في روايتها (بدرية تحت الشّمس) أن توحي به من خلال العنوان قبل المتن أنّ المرأة البحرانية لم يعد الرجل بإمكانه (أو ليس من حقّه) أنْ يحجبها ويطمرها وأن يحاصرها لتدخل باب (المتاهة) ويضيع منها (اسمها)، وحتّى لا تضيع هويتها فتبقى (بلا وجه). ويبقى السؤال الّذي تثيره فتحية ناصر (الرجل السؤال) ليحوّل إلى (المرأة السؤال)؛ السؤال المتعلّق بهذه الصورة الراسخة عن المرأة التي يحكمها (حجابان)، ويفرض عليها (الحصار) لتواجه (شجنها) لتغدو (بنت القدر الحزين). ما تثيره العنوانات السّابقة إذن لا يخرج عن صورة نمطية تتكرر في السّرد العربي شرقه وغربه، مع اختلاف يسير في بعض الخصوصيات الثقافية والمجتمعية والظروف المعيشية.
ثانياً: فيما يتعلّق بالمتن الحكائي
تتبدّى كثير مِن القضايا التي اهتم بها كُتّاب الرواية البحرانيون مرتبطة غالباً بالخلفية الفكريّة للكاتب، وطبيعة المجتمع الذي ينتمون إليه. وقد أشار الدكتور فهد حسين في كتابه “المكان في الرواية البحرانية” إلى أنّ الاتّجاه الواقعي هو الاتجاه الّذي تأثّر به جلّ الروائيين البحرانيين، فجاءت أعمالهم الروائية والقصصية تُعالج الواقع من رؤية الكتّاب في ضوء رؤاهم وتوجهاتهم الفكرية1. وعلى ضوء ذلك جسّد الروائيون البحرانيون صورة المرأة؛ وقد بنيت هذه الصورة “على جملة من الأفكار والأبعاد الرمزية المرتبطة بفكر الكاتب ورؤيته الاجتماعية، ومن خلال الأوضاع الاجتماعية والنفسية التي عاشتها المرأة في المجتمع القائم على السلطة الأبوية والذكورية ترجمت الواقع المأساوي الّذي تعيشه المرأة.
تتبدّى كثير مِن القضايا التي اهتم بها كُتّاب الرواية البحرانيون مرتبطة غالباً بالخلفية الفكريّة للكاتب، وطبيعة المجتمع
الذي ينتمون إليه
وقد سعت الرواية البحرانية منذ بزوغها الأوّل إلى ملامسة قضايا تحرّر المرأة على المستوى العاطفي وعلى المستوى الاجتماعي من الواقع الّذي تهيمن عليه سلطة الدّين وسلطة الأعراف الاجتماعيّة، وعلاقة ذلك بمظاهر الوعيّ الّذي تشكّل في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وما زامنه من موجات الوعي الديني في ثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من أنّ المرأة في المجتمع البحراني اتخذت لها مواقع مختلفة في الحياة العامّة بكلّ جوانبها إلا أنّ جلّ الروايات ظلّت معالجاتها مرتبطة غالباً بحالة القهر وصراع المرأة الدؤوب من أجل نيل حقوقها (من الرجل) وظهورها في صورة المقهورة غالباً، والضّحية للتسلّط الذكوري والأعراف المجتمعية (البالية) على حدّ تعبير الدكتور فهد حسين، وأحياناً قليلة تتمظهر في صورة الثائرة المتمردة، وأحياناً أخرى الراضية الخانعة (المستسلمة لقدرها) وربّما المتصالحة مع وضعها، وإنْ رآه الآخرون مجحفاً بحقوقها.
1- صورة المرأة المقهورة
تُلخّص لنا الكاتبة ليلى السيّد عبر اقتباسات موفّقة من رواية “نساء المتعة”، لمنيرة سوار، بعض صور القهر الّذي يطول شخصيات الرواية الرئيسة وهنّ: زهراء، ومهدية، وبدرية، وأمل، ولكلّ واحدة منهنّ قصّة تعبّر عن هذا القهر2. ويتمثّل ذلك في جملة من المواقف، من أبرزها: “قهر الزوج لزهراء من خلال الضرب وإهانتها بالكلام البذيء، وما كادت تخطو بقدمها داخل الشقة، حتى فوجئت بكفه تنهال على صدغها. لم يكتف بذلك، بل جرّها من حجابها وألقى بجسدها على الأريكة، وهو يزمجر بأعلى صوته. إنّ المومسات هنّ فقط من يقبلن على أنفسهن التسامر والضحك مع رجال أغراب في الشارع، وأنا لم أعرف أنّني متزوج من مومس إلا اليوم”3. و “ها هو صراخ زوجة ناصر النايم، مصحوباً ببكاء حادّ، متبوعاً بنشيج وحشرجات قويّة، تُعبر الشارع مسرعة، وَقْعُ (قبقابها) الخشبي، بكاء أطفالها السّائرين خلفها، صوت بعض النّسوة وهنّ يحاولن تهدئتها، بعضهنّ يجدن فرصة في شتم الرّجال وأفعالهم، يتبعها بعد قليل زوجها، كعادته ماسكاً عصا حماره، يرتفع الصراخ، صوت ضربات قويّة، صراخٌ وهرجٌ من بعض الّذين خرجوا لفكّ هذا النزاع اليومي، إنّه بالتّأكيد يفعل الآن ما يفعله دوماً، يمسكها من شعرها، تسقط فيلمّها، ويسحبها نحو البيت، أمام بكاء الأطفال واستنكار أهالي الحارة الذين يحاولون منعه من ضربها”4. وفي شاهد آخر نقرأ: “فجأة تحوّل الطريق الشّاسع بفضائه المهيب إلى محض قبوٍ مظلمٍ مخيف، كلّ شيء حولي يتهادى، يتمادى في الحنق والازدراء، فتحتُ عينَيّ على أثر ضربات … لم أشعر حينها إلا بيده تحطّم الرّوح قبل الوجه، كلّما حاولتُ أن أصرخ ضغط على عنقي كمنتقم، فقدتُ كلّ قوّتي، ركضتُ إلى الغرفة، جمعت شيئاً من أغراضي، وطفلتي تنظر إليّ باستغراب”5.
ومن صور ذلك القهر تعسّف الرجل في تزويج الفتاة وهي صغيرة (الزواج المبكّر)، وتعسّفه في حقّه في تعدد الزوجات، وممارسة أنواع من الزواج المؤقّت كزواج المتعة. وقد حاولت الروائية ليلى حسن الصقر في رواية “بدرية تحت الشّمس” معالجة قضية الزواج المبكّر عبر شخصية بدرية التي انتُزعت من بيت أهلها لتُزوَّج وهي في العاشرة من عمرها: “آه. آه يا زمن. لماذا سرقت مني الشمس؟! لماذا انتزعت مني أظفار طفولتي وألعابي؟ لماذا؟ لماذا تشعل النيران في جسدي؟ آه! إنّ دموعي حارّة، ملتهبة، تفتّت بقايا طفولتي.. همى الدمع على صحراء وجدب.. همى الدمع فما أطفأ لهيب قلب. آه! إنهم هناك في الخارج يضحكون. ويغنون. ويرقصون!! من أجل من؟! من أجلي؟”6. نرى الطفولة تشكل مراسيم الزواج كما تشكل مراسيم زواج دميتها، دون أن تفهم سياق الحدث معلنة صرخة واضحة لهذا العرف البائس؛ لتبلغ حالة القهر بأن تتزوّج بمهر زهيد (500 روبية) زوجاً لا تعرف حتى اسمه، ويبرر ذلك دائماً بهذا النوع من التزويج مخافة العار7.
وفي رواية “نساء المتعة”، تعالج منيرة سوار القضية بالمعالجة ذاتها، إذ تقول: “أنهت سنتها الأخيرة في المدرسة بصعوبة بالغة، وبمجموع لا يتجاوز الستين بالمئة. لم تهتم؛ لأنّه لم يعد يعنيها في الكون إلا أن تكون معه.. فالمستقبل لا شيء بدونه، زُفّت إلى عادل وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة. كانت وكأنها تعيش في حلم، لم تتصور يوماً أن ينتهي، مُتناسية أن الأحلام قصيرة الأمد بالقياس إلى حجم الواقع الذي نعيش فيه”8.
أما الروائية فتحية ناصر، فتصوّر في رواية “الرجل السؤال” في حديث الراوي عن أم بطلة الرواية “رجاء”؛ فتصف واقع الزوجة الأولى في أسرة تقوم على تعدّد الزوجات: “بعد الغداء، تحمل أم رجاء للماشية ما تبقّى من طعام الغداء، الزوجتان الأخريان كانتا المدللتين، وأُمّها.. كانت الذّليلة المَهينة؛ والسبب في ذلك أنّها كانت الزوجة الأولى، زوجة المسؤولية. أمّا من تأتي بعد الزوجة الأولى فهي (أو هما، أو هنّ) زوجات المتعة والدّلال”9.
وفي رواية “السّوافح.. ماء النعيم”، لفريد رمضان، تروي لنا أمّ إسماعيل عن شيخ القرية الّذي يطبّب الناس بالعلاجات الشّعبية، وقد جيء لها برُقية عمّة إسماعيل بعد أن عجز أهلها في إيجاد علاج لمرضها وذبولها: “قال لنا يجب أن ألمسها، فقلنا وكيف يجوز ذلك يا شيخ، وهي صبية ناضجة رغم ذبولها، فقال: نعمل عقد لمس، يسمح لي بلمسها وتمسيدها بالزيت. تتركونها عندي في الدّار وتعودون بعد أسبوع لأخذها. قلنا نسأل رجال الدّين. سألنا عن هذا العقد الّذي يشبه عقد الزواج، ولكنّه يسمح بلمس المرأة فقط، لا الدخول بها، فجاء الردّ بإجازته؛ ليتحقق علاج رقيّة. جاء شيخ آخر وعمل العقد بمهر عبارة عن مصحف من القرآن الكريم ثمّ تركناها في بيته مع زوجاته الثلاث. بعد فترة انقطعت عنها الدورة الشهريّة، فسألنا الرجل الصّالح، فقال: نعم، قد دخلت عليها. فقلنا: وهل يجوز ذلك؟ وسألنا مرّة أخرى رجال الدّين، فقالوا لنا: ما دامت البنت قد حبلت منه، وهو يعترف بدخوله عليه فهي زوجته الآن، وما في رحمها هو من صلبه. لم تشفَ عمّتك من مرضها العصيّ على الكشف، ظلّت على حالها حتى لحظة الولادة، فأنجبت ولداً أسميناه على اسم جدّك يا إسماعيل”10.
وكذلك تناولت الأعمال الروائية، قضية تحكّم الأخوة في حياة شقيقاتهم واختياراتهنّ حتى وإنْ كان الأخ (من الذّكور) أصغر سنّاً منهن. في رواية نساء المتعة، تحكي لنا الرواية عن إحدى الشخصيات الرئيسة (أمل): “كبرت وهي غير مقتنعة بكثير من الأمور التي كان يلزمها بها أبواها وأشقاؤها، حتى شقيقها الذي يصغرها بأربعة أعوام كان بمنزلة ولي أمرها، فله الحق في محاسبتها إذا تأخرت في العودة إلى البيت، أو أطالت حديثها على الهاتف، أو حتى تلفظت بما لا يعجبه! لم تكن سعيدة ببيئتها ولا فخورة بها، إلا أنّها كانت مستسلمة لها، فلم تحاول التمرّد يوماً على ما لا يعجبها”11، “فما كان منه إلا أن أجابها بقوله: لم يدخل أحد منا الجامعة، جميعنا عملنا بشهادتنا الثانوية، وأنتِ بالذات لست في حاجة إلى الدارسة ولا حتى للعمل. من الأفضل أن تجلسي في البيت حتى ييسر الله لك أمرك وتتزوجي أسوة بشقيقاتك”12.
وتبقى المرأة في الرواية –كما في الحياة اليومية في البحرين– مسؤولة عن الأعمال المنزلية، وعليها أنْ تنجز للرجال طعامهم واحتياجاتهم، هذه الصورة النمطية للمرأة المتزوجة وللأمّ تتكرر في المتون الروائية كثيراً
وقد يستغلّ الرجل القانونَ والسلطة المخولة له من أجل قهر المرأة وحرمانها من أبسط حقوقها وهي الزواج مرة أخرى من غيره13. “لم يتم طلاقها بسهولة بعد ذلك! فقد أذاقها عليٌّ المرَّ هي وأشقاؤها، حتى إنّهم لم يصدّقوا كيف استطاعت شقيقتهم معاشرته كلّ هذه السنوات، وهو الذي كان أمامهم الحَمل الوديع! لم يطلّقها بعد ذلك إلا بعد أن أقسم لها بأنّها لن تعاشر رجلاً آخر بعده، وإلا فإنّ مصيرها سيكون بحرمانها من ابنتها إلى الأبد”14.
وتبقى المرأة في الرواية –كما في الحياة اليومية في البحرين– مسؤولة عن الأعمال المنزلية، وعليها أنْ تنجز للرجال طعامهم واحتياجاتهم، هذه الصورة النمطية للمرأة المتزوجة وللأمّ تتكرر في المتون الروائية كثيراً.
نسوق مثالين مراعاة للاختصار. في رواية “متاهة زهرة”، نقرأ: “لكنّه هذه المرّة طلب مني انتظاره من نوم لم يحدث قطُّ أن قطعه لتلبية حاجة من حاجات البيت، حتى وإن كانت هذه الحاجة زيارة الطبيب. بل أكثر من ذلك، لو احترق البيت لما رفع رأسه عن وسادته. على عتبة المطبخ جلستُ أندب خيبتي، وفي حضني فاطمة تحاول بيديها الصغيرتين ملامسة أنفي، بينما محمود يحاول ربط خيوط حذائه الّذي ارتداه معكوساً”15.
وفي رواية “بدرية تحت الشّمس”، نقرأ: “ومع شروق الشمس الملتهبة، الذائبة في صدر السماء تحلب بدرية النعاج، ثمّ تغسل ثيابها في العين، وتغسل كيانها معها وهي تهمس لها بأسى، وتعود بخُفَّي حُنين، تلملم الأخشاب لتشعل النار وتطهو الواقع المر مع الأرز في قِدرها، وتستند على الجدار وراء الرحى، كما كانت أمّها تطحن الحب. وخطوات عليّ تبتر أفكار بدرية لترفع رأسها الملطّخ بالغبار في قامته الفارعة وهو يحدِّق فيها ويصرخ: كم أتمنى أن أدخل البيت مرّة ولا أراك تكنسين! ألا تتعبين؟! مللت من رؤيتك ملطخة بالغبار. فتطرق بدرية برأسها بأسى وعلى وجهها ابتسامة مسكينة، مقهورة، كسيرة، وعلي يتكئ بجسده على الجدار وهو يمسح يديه المبللتين بثوبه، ويعبث بشاربه، ويقول بغضب ساخط: لعنة الله عليك يا ابنة عيسى، أنا مُنهك، جائع وأنت تكنسين الأرض؟! أيهما الأهم أنا أم الأرض؟”16.
وعلى العموم فصورة المرأة المقهورة برزت في صور عديدة في المتن الروائي البحراني، منها:
1- صورة المرأة الثائرة
تحاول المرأة أنْ تتمرّد على هيمنة الرجل وعلى الأعراف السائدة، وكان للتحوّلات المجتمعية وتأثيرات العولمة دور في هذا التصوّر الّذي سعت المرأة إثبات وجودها واستقلالها عن الرجل وهيمنته، وكان لتطوّر المنظومة القانونية والاقتصادية والتحوّلات الاجتماعية أثرها على الحياة الثقافية والحقوقية؛ ومثل ذلك تجلّى في الأعمال الروائية في البحرين؛ وسنشير هنا إلى مثالين طلباً للاختصار. المثال الأوّل من رواية “الرجل السؤال”، لفتحية ناصر: “وقد حاولت الروائية فتحية ناصر في روايتها “الرجل السؤال” إثارة هذه الإشكاليات عبر حقيقة الصداقة بين الرجل والمرأة، وسؤال الحبّ وحقيقته بينهما، القصة تشير إلى صداقة نشأت بين علي (الّذي يمثّل نموذج الرجل العصري، ورجاء التي تمثّل نموذج المرأة التي تمرّدت على بيئتها المحافظة، وأعراف المجتمع المحافظ وتقاليده الّتي تربّت عليها منذ نعومة أظفارها؛ لتصبح مغنية معروفة تعمل في فنادق وأماكن عامّة شهيرة؛ وتتزوّج من نادر المتحرر الّذي لا يهمه إنْ كانت زوجته التي سيشاركها حياته بكراً محافظة على غشاء بكارتها أم لا ؛ لتتحوّل من حياة سكونيّة سائدة في مجتمع الحريم السّائد في المجتمع البحراني الّذي تحكمه الأعراف الاجتماعية والتابوهات الدينية وقيم الحلال والحرام والمسموح والممنوع؛ إلى حياة الانفتاح تسوده قيم المجتمع الارستقراطي، المتناقض في قيمه وأعرافه مع المجتمع المحافظ. وفي الرواية تنبأ رجاء لعلي بأنْ يصبح وزيراً، وقد كان.علي هذا الّذي عاشت معه رجاء حياة الصداقة المزعومة في الرواية؛ ليبقى هو الرجل السؤال الّذي تحيطه الرواية بهذه الإشكالات المتناثرة؛ لتكون فصول الرواية هي تلك الأسئلة. تفتح الرواية بسؤالها الأوّل وهو سؤال جوهري في العلاقة بين رجاء وعلي : “السؤال الأوّل: ألم يحبّني.. هل هناك صداقة بين الرجل والمرأة؟ تعود تسأل نفسها هذا السؤال، وهي تشاهد رجلها الوحيد يطلّ عبر الشاشة الصّغيرة، الرجل الوحيد الّذي تمنّت أنها لو شعرت أمامه بأنّها لا تساويه. تتذكّر أنّها تنبأت له منذ زمن بعيد بأن يصبح وزيراً، وتحققت نبوءتها، بينما تنبّأ لها هو بأن تصبح شخصية لامعة، وأن يصبح اسمها حاضراً في المجتمع بشكل ما. لكنّه لم يتوقع أنّها ستكون مغنية، ولا تدري إن كان فخوراً بشهرتها الآن أم أنّه غيّر رأيه. لا شكّ بأنّها فخورة به؛ لقد رافقته وهو يتدرّج في مناصبه المتعددة، ثمّ راقبته يكبر حتى أوشك أنْ يحمل حقيبة الوزارة”16.
والمثال الآخر من رواية “نساء المتعة”، لمنيرة سوار: “ارتدت سهير فستانها الأسود الجديد الذي يكشف عن جزء كبير من صدرها وساقيها.. ثم فتحت علبة إكسسواراتها لتنتقي منها ما يلائمه… قلبت يدها في العلبة، لتستقرّ أخيراً على ارتداء عقد باللون الأحمر. وقفت تتأمل جسدها المثير الذي يشفُّ عن تفاصيله قُماش فستانها اللاصق، قبل أن تُسدل شعرها الأسود وتضع (الروج) الأحمر على شفاهها المكتنزة في لمسة أخيرة لمكياجها الصارخ.. في السيارة.. نظرت إلى نفسها في المرآة مرة أخرى قبل أن تنطلق بها. إنها العاشرة مساء.. ترى إلى أين ستذهب في هذه الساعة؟ أخذت تمشّط شوارع المنامة، الواحد تلو الآخر وهي تنظر من زجاج نافذة السيارة، وكأنها تبحث عن شيء، أو ربما تبحث عن أحد. ما بالها؟ أَجُنَّتْ حتّى تَخرج في هذه الساعة دون هدف تقصده!.. وقفت في إحدى الإشارات الضوئية، ثم التفتت للسيارة التي تجاورها، لتجد عينَي السائق وقد خرجتا من محجريهما وهو ينظر إليها. لم تعره أيّ اهتمام، فقد اعتادت رؤية عيون الرجال خارج محاجرها!. أشاحت بوجهها عنه تجاه مقود السيارة، وهي تهزّ كتفيها بلا مبالاة وكأنها تقول لنفسها: لا شيء جديد. أمّا الجديد فإنها قد شعرت برضى داخلي تمادى في الخروج، ليرسم على شفتيها بسمة لا إرادية. لقد أسعدتها نظرات ذلك الرجل الجريئة! أهي المرة الأولى التي أسعد فيها بنظرات الرجال واهتمامهم؟! سألت نفسها، ثمّ تركت السؤال حائراً دون إجابة..
وهي تنظر إلى المقهى القريب من الإشارة. واصلت دربها بعد ذلك قاصدة المقهى.. نظرت في المرآة الأمامية للسيارة، لتجد الرجل الذي غازلها عند الإشارة لا يزال يتبعها. ومرة أخرى شعرت بالرضى ذاته، يعلن عن نفسه بظلال ابتسامة تُغيّم على شَفتيها. ترجّلت من سيارتها.. وهي تتعمد التباطؤ في حركتها وخطواتها، ثم التفتت نحوه التفاتة في اختلاسة نظر سريعة قبل أن تدخل من باب المقهى. كان المقهى يعجّ بمجاميع من رجال ينقسمون إلى مجموعات موزّعة على طاولات المقهى. شعرتْ أنّ جميع الأنظار التفت إليها، تعدّ خطواتها وتحسب أنفاسها. شعرت بحرج كبير… هل تراها بالغت في لباسها ومكياجها بدرجة غير محتشمة؟ ما لهم يحملقون فيّ هكذا؟ لست المرأة الوحيدة هنا. هكذا حدثت نفسها وهي تسترق النّظر إلى ثلاث طاولات متفرقات تضمّ رجالاً بِصحبتهم نساء، إنّها تودّ لو ترجع بخطواتها لتعود مرّة أخرى إلى سيارتها! ولكن يبدو أنّ الأوان قد فات للتراجع.. لا بدّ أن تكمل طريقها إلى تلك الطاولة الوحيدة في زاوية المقهى”18.
2- المرأة شريكة الرجل
ولم تخل الرّواية البحرانية من صورة المرأة الشريكة للرجل في الحياة اليومية؛ تناصفه شؤون الحياة، وتشاركه همّه الأسري والاقتصادي والثّقافي والسياسي والصحّي والاجتماعي، والأمثلة على ذلك كثيرة، وسنكتفي بمثالين من ذلك:
كان لتطوّر المنظومة القانونية والاقتصادية والتحوّلات الاجتماعية أثرها على الحياة الثقافية والحقوقية؛ ومثل ذلك تجلّى في الأعمال الروائية في البحرين
في رواية “حارس زهرة الأوركيدا”، لجعفر يعقوب: “سارة استيقظت. كانت أزهار تنصت باهتمام، وما إن انتهيتُ حتى ابتسمت بلطف، وإن بدت عليها دهشة، وكأنّها لم تتوقّع هذه الحماقة منّي. وقالت دون أنْ تتغيّر ملامحها الهادئة، ممّا زادني إعجاباً بها: أفهمك، وأقدّر الظرف الّذي عشتم فيه، الذعر والبعد، لكن لا أفهم دواعي رأيك، ربّما تحتاج إلى نقاش مستفيض”19..
أما في “متاهة زهرة”، لحسين عبد علي، فنرى المرأة تشارك الرجل همّه وعناءه: “تحدّث جدّتي نفسها وقت المحن، يعزز قولها شيء ما داخلها يقول: إنّ الّذي خرج للتوّ حاملاً منجله وصخّينه و(كرّه) سيدخل بعد قليل ليحمل ابنته بين يديه، ويرمي بالنقوط على رؤوس الحاضرات، ليتدافعن لجمع العملات المعدنية والحلويات تحت أقدامهنّ، بينما سترشين ماء الورد، وتنثرين على رؤوسهم أغصان المشموم. الشيء ذاته قاله لها يوم هبّت رياح السّابعة منذرة بحلول موسم القفال وانتهاء موسم الغوص، فيعود البحارة إلى أهاليهم، (داناتهم) الكبرى سلامتهم في تجاور رحلة الذّهاب إليها والعودة منها حياة. قال لها وهي تتمايل على ساحل البحر، متحلّقة حول سعَف تشتعل فيه النِّيران، مَع نساءٍ اختطف البحرُ رجالهن أربعة أشهرٍ: “سلمان بيرجع من البحر”. فتردّ عليه: “توب توب يا بحر20.
تبقى صورة المرأة في الرواية البحرانية تعالج واقع الحياة وتطوّراتها، وتأثيرات الزّمان والمكان في تشكيل
هوية المرأة المعاصرة. وتبقى هذه الصورة تشترك مع صورة المرأة العربية في جهات وتفترق عنها في جهات، وتحتفظ بخصوصيتها المحلّية في جهات أخرى. هذه الصورة التي قدّمناها في هذه العجالة لا تغني عن دراسة مطوّلة تسلّط الضوء على صورة المرأة وتطوّر مواقعها في الحياة وانعكاس ذلك على الفنّ والثقافة والأدب، إضافة إلى المقاربات الجديدة التي تتكاثر هذه الأيام فتلامس تجربة المرأة الإنسان التي أصبحت شريكة الرجل، لا لكونها النصف الآخر المكمّل للرجل؛ بل لكونها هي والرجل كمالَين للحياة بشتى مناحيها. لم نستطع في هذه العجالة أنْ نقف وقفة سيميائية لما تعنيه بعض عناوين الروايات وما حملته من دلالات تترسّم حولها واقع المرأة في زمن ما، أو في الزمن الحاضر، فأرجو أن يكون لهذه الورقة انعكاسات تُثري ما طرحناه وتوسّعه؛ إن آجلاً أو عاجلاً.
المصادر:
١- انظر، حسين، فهد: المكان في الرواية البحرينية، فراديس للنشر والتوزيع، المنامة، ط1، 2003م.ص12
٢- انظر، السيّد، ليلى، الرواية النسائية في البحرين، مجلة الكلمة، العدد 83، 2014م.
٣- سوار، منيرة: نساء المتعة، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2008م، ص 48.
٤- رمضان، فريد: التنّور، غيمة لباب البحرين، مسعى للنّشر والتّوزيع، المنامة، ط2، 2014م، ص 117.
٥- الملاّح، نادية: بلا وجه، دار الفراشة للنّشر والتّوزيع، الكويت، ط1، 2020م، ص79.
٦- الصقر، ليلى حسن: بدرية تحت الشمس، المطبعة الحكومية، البحرين، ط1، 1996م، ص 56.
٧- انظر، السيّد، الرواية النسائية في البحرين، العدد 83، 2014م.
٨- نساء المتعة، ص 7.
٩- ناصر، فتحية: الرجل السّؤال، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر، بيروت، ط1، 2009م، ص 9.
١٠- رمضان، فريد: السوافح.. ماء النّعيم، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر، بيروت، ط1، 2006م، ص 85.
١١- نساء المتعة، ص 14.
١٢- نساء المتعة، ص 15.
١٣- عن مقال ليلى السيّد، الرواية النسائية في البحرين، مجلة الكلمة، مع قليل من التصرّف.
١٤- نساء المتعة، ص 25.
١٥- عبد علي، حسين: متاهة زهرة، مسعى للنشر والتّوزيع، المنامة، ط1، 2015م، ص 178.
١٦- الصقر، ليلى حسن: بدرية تحت الشمس، المطبعة الحكومية، البحرين، ط1، 1996م، ص 64.
١٧- الرجل السؤال، ص 7.
١٨- نساء المتعة، ص 45.
١٩- يعقوب، جعفر، حارس زهرة الأوركيدا، دار ومكتبة رؤى للنشر، المنامة، ط1، 2020م، ص 105.
٢٠- متاهة زهرة، ص 85 وما بعدها.
المراجع:
- حسين، فهد: المكان في الرواية البحرينية، فراديس للنشر والتوزيع، المنامة، ط1، 2003م.
- رمضان، فريد: التذنّور، غيمة لباب البحرين، مسعى للنّشر والتّوزيع، المنامة، ط2، 2014م.
- رمضان، فريد: السوافح.. ماء النّعيم، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر، بيروت، ط1، 2006م.
- سوار، منيرة: نساء المتعة، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2008م.
- السيّد، ليلى، الرواية النسائية في البحرين، مجلة الكلمة، العدد 83، 2014م.
- الصقر، ليلى حسن: بدرية تحت الشمس، المطبعة الحكومية، البحرين، ط1، 1996م.
- عبد علي، حسين: متاهة زهرة، مسعى للنشر والتّوزيع، المنامة، ط1، 2015م.
- المحروس، حسين: مريم/ سيرة الخضاب والنسوة اللواتي ضاعت أسماؤهن، مسعى، المنامة، ط2، 2015م.
- الملاّح، نادية: بلا وجه، دار الفراشة للنّشر والتّوزيع، الكويت، ط1، 2020م.
- ناصر، فتحية: الرجل السّؤال، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر، بيروت، ط1، 2009م.
- يعقوب، جعفر، حارس زهرة الأوركيدا، دار ومكتبة رؤى للنشر، المنامة، ط1، 2020م.
البروفسور د. علي عبد النبي فرحان
أستاذ مشارك في اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم في الجامعة الأهلية، في مملكة البحرين، شغل –سابقاً- منصب رئيس قسم اللغة العربيّة والدّراسات العامّة، ويشغل –حالياً- منصب رئيس مركز اللغة العربية والدراسات الشرق أوسطية، له العديد من الكتب المهمة، والأبحاث العلمية المحكمة، ونظم وشارك في العديد من المؤتمرات وورش العمل المحلية والدولية.