تتنوّع الإجابات حول مفهوم الوطن ومعناه، إذ إنّ الوطن أضحى منذ فترة طويلة مُصطلحًا مُرتبطًا بالصّراع السّياسيّ. فالبعض يربط الوطن بالحفاظ على الثقافة والهويّة والتراث، في حين يتصدّى آخرون لهذه الفكرة الّتي عفا عليها الزّمن بقيم جديدة مثل الاِنفتاح على العالم والدّيناميكيّة والتنوّع (شارنوفسكي 2019). إلى جانب هذه التّباينات فإنّ مَفهوم الوطن يُنظر إليه مِن اليمين السّياسيّ- وكذلك مِن اليسار والليبراليين- على أنّه مُشكِّل للهويّة ومرتبط بقوميّة السّكان ومجالهم الإقليميّ.
وفِي اللّغة الألمانيّة ثمّة العديد مِن المُصطلحات والدَّلالت الّتي يمكن أن تُشير إلى مَفهوم الوطن، لذلك لن يكون مِن السّهل علينا، ترجمة “مفهوم الوطن” إلى اللّغةِ العربيّة بشكلٍ حرفيٍّ أو دقيق أو وحيد. فغالبًا ما تعني هذه الكلمة مكان الولادة، وكذلك مَشاعر الاِنتماء والهويَّة المرتبطة بهذا المكان (رومشيلد، 2018). وقد كان مُصطلح الوطن حتّى فترة لا بأس بها مِن القرن التّاسع عَشر مَفهومًا قانونيًّا وجغرافيًّا بحتًا يربط حقوقًا مُعيّنة، مِن بينها حقّ الإقامة، بوضع مكتسب ليس فقط على المستوى المَكانيّ، بل أيضًا وقبل كلّ شيء بالملكيّة والممتلكات. فالأشخاص الّذين لا ممتلكات لديهم تمّ اعتبارهم على أنهم أشخاص لا وطن لهم، بغضّ النظر عن مكان ولادتهم، في حين أنّ من كان أوفر حظًّا مِن ناحية الحيازة على أصول وممتلكات أمكنه الحصول على حقّ الإقامة في مكان غير مكان ولادته على أنه وطنه (باوزينغر، 1986). ولم يتغيّر هذا المفهوم للوطن إلا مع ظهور الدّولة القوميّة كأشكال جديدة للتنظيم السّياسيّ في القرن العشرين. فانطلاقًا مِن هذا التّاريخ بات الوطن يُفهم في المقام الأوّل على أنّه اِرتباط عاطفيّ بالإقليم القوميّ الجغرافيّ، والمجتمع الّذي ولد المرء داخلهما.
ولا يزال الفهم السّائد –فِي ألمانيّا- للجنسيّة يُحدّده قانون الدمّ؛ أي حقوق مدنيّة في أصل مشترك من ناحية الدّم، وهذا على عكس “حقّ الأرض”، أي حقّ اكتساب الجنسيّة نسبة إلى مكان الولادة والذي يربط الحقوق المدنيّة بالدولة، ومن خلاله يتمّ ضمّ أيّ كان ولد في أراضي الدولة بغضّ النظر عن أصله. وهذا ما يدلّ على أنّه في ألمانيا، وكذلك في بلدان أخرى، هناك توتّرات بين مفاهيم مختلفة لمصطلحات مثل الارتباط بالوطن، والتنقّل، والتغيّرات في الحياة اليوميّة. وغَالبًا ما يُنظر إلى هذه التوتّرات على أنّه لا يمكن التوفيق بينها. فإنْ كانت الحقوق المَدنيّة وحقّ الإقامة تَستندُ فِي المَقام الأوّل على مفهوم أخلاقيّ يربط الانتماء القوميّ بمكان الولادة، فهذا يعني أنّ جميع الوافدين الجُدد، وكذلك ذريّتهم، مستبعدون فعليًّا مِن هذا المجتمع القائم على مفهوم السّلالة، الأمر الّذي سيؤدّي إلى تصنيف الناس على أنهّم غرباء ودخلاء (بروباكر 1992).
في ألمانيا، وكذلك في بلدان أخرى، هناك توتّرات بين مفاهيم مختلفة لمصطلحات مثل الارتباط بالوطن، والتنقّل، والتغيّرات في الحياة اليوميّة. وغَالبًا ما يُنظر إلى هذه التوتّرات على أنّه لا يمكن التوفيق بينها
ما يمكن ملاحظته في جميع أنحاء أوروبا، فإنّ الجماعات الشّعبويّة اليمينيّة تُغذّي مَخاوف التغرّب وهيمنة العنصر الأجنبيّ، وما يرتبط مِنها مِن فُقدان للوطن. لقد أدّى هذا النّوع مِن الاِستغلال السّيّاسيّ إلى إِضعاف مِصداقيّة مَفهوم الوطن، خاصّة أنّه يعكس فقط العلاقات الكامنة بين النّاس وبيئتهم الاجتماعيّة والإقليميّة بطريقة مُشوّهة. الوطن بعيدًا عن مفهوم الأراضيّ القوميّة يجب فهمه على أنّه وجهة نظر نفسيّة شعور ذاتيّ مُستقلّ عن التعريفات السياسيّة والقانونيّة. وبالتالي، ومن وجهة نظر نفسيّة، يتكوّن الوطن من المواقف والآراء الفرديّة تجاه المكان والمجتمع والتطوّر الفرديّ. هذا المفهوم يتيح أيضًا للمرء إمكانيّة اِختيار وطنه.
إنّ خسارة الوطن يمكن أن تكون من خلال الحروب والكوارث الطّبيعيّة، ويمكنها أيضًا أن تكون بسبب التحوّل الأساسيّ للبيئة والمحيط من خلال التّدخل البشريّ. فعلى سبيل المثال يتبنّى “أوليفر كونتني” (2014)، فكرة مَفادها أنّ مُعظم المُدن لم تعد موجودة بالنسبة إلى البالغين الذين نشأوا فيها وتركوها وعادوا إليها لاحقًا، إذ تمّت إعادة أو تغيير بنائها بحيث لا يمكن الشعور بالوطن فيها. لذلك لا يمكن العيش في المدينة نفسها مرّتين.
فمن دون بعض إدارة التنوّع في عالم متنوّع وعابر للحدود بشكل متزايد سيكون من الصّعب إعطاء شعور بالوطن في مكان إقامة جديد. وبالتالي فإنّ تكوين وطن بشكلٍ مُشترك مَع آخرين في مِساحة مُشتركة من الحاضر ليس مُجرّد رغبة إنسانيّة بل ضرورة.
ديزيريه كايزر
أكملت البكالوريوس في الدراسات الشرقيّة والآسيويّة في جامعة بون، وحصلت على الماجستير في اللّغة العربيّة والتّرجمة. تَصبُّ اهتماماتها حاليًا، كطالبة دكتوراة، حول التحوّل الاجتماعيّ الراهن في الشرق الأوسط والأدنى. تمكّنت من خلال عملها لدى الهيئة الألمانيّة للتبادل العلميّ والمركز الفيدراليّ للتربيّة من الجمع بين شغفها بالسياسة والعلوم. تعمل حاليًا في مركز للهيئة الألمانيّة للتبادل العلميّ كمساعد باحث علميّ في برنامج المركز الإفريقيّ للمُناخ والبيئة – مُستقبل السافانا الأفريقيّة، وهو برنامج تابع لمركز تطوير الأبحاث في جامعة بون. وتساهم في عملها من خلال التبادل الوثيق بين جامعة كولونيا وجامعة نيروبي (كينيا) وجامعة فيليكس أوفوي بوانيي/ أبيدجان (ساحل العاج) في التبادل المشترك والتعاون العالميّ المتعدد التخصصات بين ألمانيا وشرق وغرب أفريقيا. عضو في حزب الخضر الألماني ناشطة في مجال الهجرة والإندماج وتكوّين مُستقبل مُستدام مُتكافئ.